الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

81

مختصر الامثل

إنّنا لن نغلب أبداً ، وإذا قدّرنا الموت فلا يعني ذلك أنّنا لا نستطيع أن نمنح العمر السرمدي ، بل إنّ الهدف هو أن نذهب بقسم من الناس ونأتي بآخرين محلّهم ، وأخيراً نعيدكم خلقاً جديداً في عالم لا تعلمون عنه شيئاً : « عَلَى أَن نُّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ » . ويمكن توضيح الدليل بالصورة التالية : إنّ اللَّه الحكيم الذي خلق الإنسان وقدّر له الموت فطائفة يموتون وآخرين يولدون باستمرار ، من البديهي أنّ له هدف . فإذا كانت الحياة الدنيا هي الهدف فالمناسب أن يكون عمر الإنسان خالداً وليس بهذا المقدار القصير المقترن مع ألوان الآلام والمشاكل . وسنّة الموت تشهد أنّ الدنيا معبراً وليست منزلًا وأنّها جسر وليست مقصداً ، لأنّها لو كانت مستقرّاً ومقصداً للزم أن تدوم الحياة فيها . وفي آخر آية - مورد البحث - يتحدث سبحانه عن رابع دليل للمعاد حيث يقول : « وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ » . هذا الدليل نستطيع بيانه بصورتين : الأولى : إنّ خلق هذه الدنيا العظيمة وما فيها هل يمكن أن يكون لهدف صغير محدود ، كأن يعيش الإنسان فيها بضعة أيام ؟ كلّا ليس كذلك ، وإلّا فإنّه يعني أنّ خلق العالم سيكون بدون هدف ، ولكن مما لا شك فيه أنّ هذه المخلوقات العظيمة قد خلقت لموجود شريف - مثل الإنسان - ليعرف اللَّه سبحانه من خلالها ، معرفة تكون رأسماله الوحيد في الدار الآخرة ، فالهدف إذن هو الدار الآخرة ، وهذا دليل آخر على المعاد . الثانية : هو أنّنا نلاحظ مشاهد المعاد في هذا العالم تتكرر أمامنا في كل سنة وفي كل زاوية وكل مكان ، حيث مشهد القيامة والحشر في عالم النبات ، فتحيى الأرض الميتة بهطول الأمطار الباعثة للحياة . قال تعالى : « إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَى » « 1 » . أَ فَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) هل أنتم الزارعون أم اللَّه : استعرضنا لحدّ الآن أربعة أدلة من الأدلة السبعة التي جاء

--> ( 1 ) سورة فصّلت / 39 .